السعيد شنوقة
276
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
فيه تفسير لعل بالإرادة وهو يتفق مع الفكر الاعتزالي الذي فسرت به هذه الآية والذي يرى أن الله تعالى بيّن أنّه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا ، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر . وقد خطأه بعض أهل السنة لتفسيره ( لعل ) بالإرادة لأنهم يرون مراد الله عز وجل كائنا لا محالة لذا لو أراد منهم الشكر لشكروا ولا بد « 1 » ، وبأن التفسير الصحيح في ( لعل ) ما ذكره سيبويه ؛ قوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] ؛ قال : الرجاء منصرف إلى المخاطب كأنه قال : كونا على رجائكما في تذكره وخشيته « 2 » . وجملة لعل حالية أي حال كونكم مترجين . ولعلنا نفهم هذا فيما ذهب إليه الزمخشري في تفسير الآية السابقة : « والترجي لهما أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه ؛ فهو يجتهد ويحتشد بأقصى وسعه » « 3 » . ورأى غيره أن المعنى هو « لتكونوا على رجاء الشكر لله عز وجل ونعمه ، فينصرف الرجاء إليهم وينزّه الله تعالى » « 4 » . ويبدو أن الحرف ( لعل ) عند الزمخشري مستعمل استعمال فاء السببية من ناحية أن تحقق السبب إنما هو عند وجود سببه . ولم يحمل المعتزلة ( لعل ) في الآيات : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أو تَتَّقُونَ أو تَشْكُرُونَ ، وما ماثلها على عدم إرادة الفلاح أو عدم إرادة التقوى أو عدم الشكر لأن أي احتمال غير إرادة الفلاح أو إرادة التقوى والشكر هو شر وقبح والله تعالى لا يريد عندهم إلا ما هو أصلح للعباد ومن أن وقوع الشر على خلاف إرادته . لكن أهل السنة يذهبون إلى أن قدرة الله تتناول كل شيء ويفسرون ما جاء من الآيات السابقة بالطلب بما في الترجي من معنى الطلب ؛ والطلب غير الإرادة ؛ فكأنه قال : كونوا متقين أو مفلحين أو شاكرين لأنه يستحيل أن يقع شيء في الوجود على خلاف إرادته « 5 » .
--> ( 1 ) انظر فخر الدين الرازي ، مفاتيح الغيب ، ج 3 ، ص 77 . ( 2 ) انظر الكتاب ، ج 1 ، ص ، 331 وابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 280 - 281 . ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 538 . ( 4 ) ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 281 . ( 5 ) انظر الزركشي ، البرهان في علم القرآن ، ج 2 ، ص ، 89 وكذا د . أحمد سليمان ياقوت ، ظاهرة الإعراب في النحو العربي ، وتطبيقها في القرآن الكريم ، ص 197 .